الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
109
صفة جزيرة العرب
ذلك ولا ينظرني فواللّه إن العافية لفي عقابه وان العقاب لفي عافيته وان الموت لخير من الحياة معه ، إذا كان هذا الجد منه والحق عنده والسلام . ولبشر أيضا : أما بعد فان من الناس من تحمّل حاجته أهون من فحش طلبه ، ومنهم من حمل عداوته أخف من ثقل صداقته ، ومنهم من إفراط لائمته أحسن من قدر مدحته ، وان اللّه خلق فلانا ليغم الدنيا ويقذر به أهلها فهو على قذره فيها من حجج اللّه على أهلها ، فأسأل الذي فتن الأرض بحياته وغم أهلها ببقائه ان يديل بطنها من ظهرها والسلام . ومن بشر إلى الشافعي « 1 » في عبد اللّه بن مصعب : أما بعد فإنك تسألني عن عبد اللّه كأنك هممت به إذ سرك القدوم عليه فلا تفعل يرحمك اللّه ، فان الطمع بما عنده لا يخطر على القلب إلا من سوء التوكل على اللّه عز وجل ، وان رجاء ما في يده لا يكون إلا بعد اليأس من روح اللّه ، لأنه يرى الاقتار الذي نهى اللّه عنه هو الاسراف الذي يعذب اللّه عليه ، وان الصدقة منسوخة ، وأن الضيافة مرفوعة ، وأن إيثار المرء على نفسه عند الخصاصة إحدى الكبائر الموجبة الهلكة ، وكأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى الذين قطع اللّه دابرهم ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم ، وكأن الرجفة لم تصب أهل مدين عنده إلا لسخاء كان فيهم ، ولم يهلك الريح العقيم عادا إلا لتوسع ذكر منهم ، وهو يخاف العقاب على الانفاق ، ويرجو الثواب على الاقتار ، ويعد نفسه الفقر ، ويأمرها بالبخل ، خيفة أن ينزل به بعض قوارع الظالمين ، ويصيبه ما أصاب القوم المجرمين ، فأقم يرحمك اللّه على مكانك ، واصطبر على عسرتك وتربص به الدوائر ، عسى اللّه ان يبدلنا وإياك خيرا منه زكاة وأقرب رحما والسلام . ومنه إلى بشّار بن رضابة « 2 » : أما بعد فاني رأيتك في أول زمانك تغدو على العلماء وتروح عنهم ، وتحدث عن اللّه وعن ملائكته ورسله ، وقد أصبحت تحدث عن معن وعن عماّله ، وعن أبي مسلم « 3 » وعن أصحابه ، فبئس للظالمين بدلا ، فمن
--> ( 1 ) الشافعي : هو الإمام محمد بن إدريس المشهور . ومصعب : هو أبو عبد الله مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ولاه الرشيد اليمن ، قال الإمام الشافعي : فسألني أن أخرج معه لعلمه بفقري وفاقتي ، فلما صرنا إلى اليمن ولاني قضاء نجران . انظر طبقات ابن سمرة - 138 . ( 2 ) في « ل » : ابن رضية . ( 3 ) راجع أخبار معن بن زائدة ج 1 - 397 ، وج 2 - 374 من « الإكليل » وقرة العيون والأغاني وتفسير الدامغة وابن خلكان وغيرها من كتب الأدب . وأبو مسلم : هو عبد الرحمن الخراساني المشهور الذي مهد الملك لبني العباس .